شريط آخر مواضيع المدونة

الجمعة، 7 أكتوبر، 2011

المعرفة التاريخية.


تقديم :


كيف نفهم الصيرورة التاريخية للمجتمعات البشرية ؟ وبأي معنى تكون المعرفة بالتاريخ ممكنة ؟ وهل الإنسان فاعل تاريخي وصانع له أم أنه خاضع له؟ وماهي الرهانات التى يطرحها التفكير في التاريخ على مستوى الوجود الإنساني والمعرفة والقيم ؟ وهل يجب الاكتفاء في معرفة التاريخ بما هو إنسانى فقط أم البحث عن الماضي العلمى والفكري ؟
هده جملة من التساؤلات جاء العديد من الفلاسفة لتسليط الضوء عليها باعتبار التاريج أو المعرفة التاريخية جزء لايتجزء من الصناعة البشرية للإنسان ذاته هذا الأخير الذى يحكمه المنطق التاريخي الثلاثي :الماضي الحاضر المستقبل لكن الاختلاف الحاصل هنا هو نقطة التجاذب التي يقع فيها المؤرخ الذي يريد أن يؤسس للفعل التاريخي وبداياته الأولى والفرق الموجود أيضا بين ما هو تاريخي ثراثي حضاري وبين ماهو تاريخي علمي صرف .
تعددت المواقف وأيضا الأفكار ووجهات النظر الفلسفية إلا انه يمكن القول وحسب ما جاء في الكتب المدرسية المقررة (المباهج المنار في الرحاب ) أن هذه المواقف تحاول أن تجعل المعرفة التاريخية منحصرة في ما سماه العروي بالتأريخ أو ما أشار إليه ابن خلدون بعلم العمران بالإضافة للعمليات التى تهتم بسرد الأحداث والوقائع التاريخية علاوة على ربط التاريخ بالسياسة حيث يصبح هنا التاريخ معرفة. فما هي حقيقة هذه المعرفة ولماذا تطلب ؟

إن المجال الإشكالي لمفهوم التاريخ يتحدد إنطلاقا من بعد أساسي وهو الوجود الإنساني حيث يضاف إلى كون الإنسان عبارة عن شخص وهوية وذو قيمة ويدخل في علاقات تفاعلية مع الغير يضاف التواجد والوجود التاريخى للإنسان في زمان ومكان معينين مما يجعل هذا الأخير رهين التاريخ وفي نفس الوقت صانعا له الشيء الذي يخلق معرفة تاريخية بوصفها معرفة زئبقية صعبة التحكم وسهلة التملص بين الأصابع رغم إحكام القبضة .

المعرفة التاريخية معرفة لزجة وسلسة لأن دور الإنسان في هذا التاريخ غير مفهوم بالشكل الجيد بالإضافة الى تراكم العديد من الرهانات التي تحاول البشرية تحقيقها مما يجعل سؤال الماضي اوالمعرفة بالتاريخ سؤال ملتبس وغامض.

يؤكد بول ريكور أن المعرفة التاريخية معرفة مبنية حسب منهج مفكر فيه من طرف المؤرخ.
فالمنهج العلمي له خصائصه ومميزاته كما أن للمنهج التاريخي توجهاته وأدواته التى تتمثل في الوثيقة التاريخية كأداة دالة على فعل معين يمكن تفسيره وتحليله بمنطق علمي إعتمادا على مبادئ علمية تؤدى لا محالة إلى نتائج موضوعية وبالتالي يؤكد ريكور على ضرورة الممارسة المنهجية العلمية للوصول إلى المعرفة التاريخية أما بالنسبة لريمون أرون فيقر وبشكل صارم كون المعرفة التاريخية بالماضي معرفة صعبة ومستعصية وتتطالب جهدا كبيرا وتوظيفا لعدة وسائل وعمليات تحليل وتفسير وفهم ونقد لأن أساس الحاضر هو الماضي هذا الحاضر الذي تسهل علينا معرفته لأن هذه المعرفة تلقائية وعفوية في حين يعتبر الماضي الغابر ماضيا مجهولا خاصة عندما نريد إعادة بنائه وذالك لكون الماضي مليء بمجموعة من الدلالات والرموز التي لا نستطيع فهمها كما نحن نفهم العالم الذي يحيط بنا بمختلف تجلياته ومكوناته.

من ناحية أخرى يشير التاريخ عند ابن خلدون الى سيرورة العمران الإجتماعي البشري حيث يعتبر المعرفة التاريخية نظرا عقليا في أحوال الذين عاشوا قبلنا وتحليل أفعالهم وحوادثهم عن طريق إستعمال معياري العقل والحكمة كما يؤكد ابن خلدون على ضرورة تجاوز التوقف عند سرد الأحداث والوقائع والأخبار والايام وكيف كان الأخرون يعيشونها بالإنتقال الى إتباع القواعد وسبر الأغوار ونقد ماهو متداول والتحقيق فيه باتباع المنهج العلمي حتى يستطيع الإنسان والعالم بصفة خاصة تجاوز المغالطات العديدة التي وقغ فيها المؤرخون والمفسرون وأئمة النقل .

ويأتي الفيلسوف هنري مارو ليعزز موقف ابن خلدون حيث يرى أن المعرفة التاريخية ليست عملا أدبيا أو وصفا أو إعادة كتابة إنما هي معرفة علمية ينشئها المؤرخ إعتمادا على منهج علمي دقيق وصارم يقول هنري في تعريفه للتاريخ:" التاريخ هو المعرفة العلمية المكونة عن الماضي … وإن كنا نتحدث عن العلم بشأن التاريخ فإنما ذلك في تعارض مع المعرفة العامية التي تستند إلى التجربة اليومية فالمعرفة التاريخية هي معرفة مبنية تتشكل تبعا لمنهج منظم وصارم يمثل العامل الأنجع لبلوغ الحقيقة

المحور الثاني: "التاريخ وفكرة التقدم"


إن التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث الماضية يدفعنا إلى التساؤل عن مساره ومنطقه، فكيف يتم تطور التاريخ وتقدمه؟ وهل يخضع في تطوره لإرادة الإنسان أم أنه يسير بشكل عبثي تفعل فيه الصدفة فعلها؟

إذا كان "هيكل" يؤمن بفكرة التقدم ويعتبرها حقيقة الصيرورة، ذلك أن حركة التاريخ تتحقق من خلالها الفكرة وتبلغ كمالها "المطلق"، فإن كارل ماركس يرفض هذا التصور المثالي للتاريخ، حيث يرى أن التاريخ الإنساني يرتبط ارتباطا وثيقا بالتقدم، وأن تطور التاريخ يخضع لحتمية الصراع من أجل البقاء وبالتالي فإن ماركس اعتقد أن التاريخ هو صراع الطبقات بمعنى أن التاريخ عنده يتحقق عن طريق ثورة البروليتاريا وعن طريق قهر الإنسان للطبيعة وتحويلها، كما يعتقد أن التاريخ يتحقق ويصل الى منتهاه عندما تنمحي الطبقية عن الوجود وتسود العدالة الاجتماعية التي رسم ملامحها في المذهب الشيوعي وهو بذلك يؤكد على نظرية نهاية التاريخ وذلك بنهاية الفكر الرأسمالي. ورسم معالم حركة التاريخ على شكل مراحل: من مرحلة المشاعة البدائية والعبودية، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية. ونفس الأمر بالنسبة «لأجوست كونت» الذي نظّر الى حركة التاريخ من خلال فكرة مسبقة: سيادة الفكر الوضعي.

فحقب «أ ـ كونت» حركة التاريخ انطلاقاً من هذه الفكرة القبلية. يمكن القول بان قانون الأحوال الثلاثة الذي صاغه «أ. كونت» يفرض على التاريخ مساراً محدداً لايخرج عنه


ويلاحظ أن إمكانات التطور في التاريخ عند ماركس تتخذ أشكالا عديدة:

- تطور ارتقائي، تدريجي Evolution
- تطور قطعي Rupture
- تطور خطي (تراكمي – صاعد باتجاه واحد). (Lineal)
- تطور دوري (ارتدادي ، ومتقدم في آن (Cyclical
هناك ظاهرات في التاريخ تتسم بالتدرج الارتقائي، وأخرى بتطور خطي، وثالثة بتطور دوري، ورابعة بتطور قطعي وهكذا دواليك ، فمثلا ماركس يرى أن الشيوعية ستتطور تدريجيا وستمحوا الراسمالية بشكل تدريجي وهذا هو التطور الارتقائي ، أما التطور القطعي فهو ما يحدث في التاريخ فجأة سواء بسبب الحروب أو الكوارث أو ما شاكل ذلك.....
وتأسيسا على ماسبق ندرك أن ماركس أسس نظريته التاريخية على أساس مادي حاول في هذا البناء الفلسفي للتاريخ ربط التطور التاريخي بالتطور الاقتصادي للمجتمع ونتج عن ذلك الربط تفسير التاريخ على أساس السيطرة على وسائل الإنتاج التي تمكن طبقة اجتماعية معينة من فرض أفكارها ونفوذها الاجتماعي وأن ذلك الصراع المستمر سيؤدي الى انتصار البروليتاريا وهذا ماعرف عند الماركسية بالمادية التاريخية .


ردا على التصور الماركسي للتاريخ والتقدم، يعترض ميرلوبونتي على كل تصور مطلق ومسبق للتاريخ، حيث يصبح هذا الأخير ذو اتجاه محدد سلفا. إن الإيمان بنمطية التاريخ ينزع كل فاعلية عن الإنسان ويؤدي إلى التسليم بهيمنة النموذج الغربي، وهي فرضية تكذبها الأنتروبولوجية، خاصة الأنتربولوجية البنوية، ذلك أن التقدم ليس سلسلة منتظمة من الحوادث لأنه يخضع للصدفة والمراوحة، وهذا ما نستخلصه من التقدم الذي حققته الإنسانية منذ بدايتها الأولى.



إن ما يميز التقدم البشري حسب كلود ليفي ستراوس كونه يتم عبر تحولات وقفزات فجائية، وهذا ما تؤكده المعارف ما قبل التاريخية والحفرية، حيث أثبتت وجود أنماط
حضارية مختلفة في المكان الواحد، وفي هذا السياق شبه ستراوس مسار التقدم البشري بلاعب الشطرنج الذي يستطيع اللعب في عدة اتجاهات مختلفة، وهكذا فالتطور البشري ليس تراكميا تنضاف من خلاله مكتسبات كل مرحلة لأخرى، بقدر ما هو جدلي. وفي هذا الصدد قدم كلود ليفي ستراوس مثال لاعب النرد الذي يظل معرضا لخسارة ما ربحه في المراحل السابقة.


تجاوزا للبس والغموض اللذان يحيطان بمفهومي التقدم والتطور، حاول إدوارد هاليت كار أن يبين أن مفهوم التطور ذو حمولة بيولوجية حيث يرتبط أساسا بنظرية النشوء والارتقاء الداروينية، في حين يرتبط التقدم بالجانب الإجتماعي التاريخي، ويرجع هذا الخلط بين المفهومين إلى مفكري التنوير، حينما اعتبروا قوانين التاريخ مطابقة لقوانين الطبيعة، وأن هذه الأخيرة تسير بشكل تقدمي.

إن معالجة إشكالية التقدم حسب إدوارد هاليت كار لا تقتضي بالضرورة أن تطور التاريخ له بداية ونهاية، لأن ذلك ينسجم أكثر مع التفكير الديني، بل يجب النظر إلى التاريخ على أنه عملية تودع فيها مطالب وأحوال العصور المتعاقبة. فالتقدم التاريخي ليس مستمرا في الزمان والمكان، حيث يخضع لمجموعة من الانحرافات.

من جهته ميز هاربيرت ماركوز في فكرة التقدم التاريخي بين معنيين متقابلين، الأول كمي والثاني كيفي، وكلاهما يوضح اتجاه الإنسان نحو مراكمة تجاربه للسيطرة على الطبيعة، وتحقيق ماهيته، وهذا ما يميز المرحلة المعاصرة من تاريخ الحضارة الغربية.
يشير التقدم حسب هاربيرت ماركوز إلى أن تنامي المكتسبات والمعارف الإنسانية رغم العديد من فترات التراجع والنكوص، فإن الحضارة في تطورها تولد رغبات وحاجات جديدة لدى الناس، وفي ذات الوقت تمكنه من وسائل إشباع هذه الرغبات، وهذا هو المقصود بالتقدم التقني. وفي المقابل يمكن التقدم الكيفي من تحقيق ماهية الإنسان وتوسيع الحرية الإنسانية ونبذ مظاهر التعسف والعبودية. وهكذا يظل التقدم الإنساني رهين بالتطور التقني من جهة، والتطور الكمي من جهة أخرى، فإذا كان الأول يمكن من إشباع حاجات الإنسان فإن الثاني يساعده على تحقيق ماهيته.


المحور الثالث: "دور الإنسان في التاريخ"


من الأهمية بمكان- ونحن نقرأ عنوان هدا المحور- الحديث عن العلاقة التي تربط بين الإنسان والتاريخ وعن الفعالية التي من المفترض إن تكون للإنسان داخل الإطار التاريخي. فهل من الممكن ادن القول أن للإنسان دور في التاريخ؟ وبعبارة أخرى أليس للإنسان دور فاعل في صنع التاريخ والتحكم في سيرورته وإنتاج إحداثه؟ أم انه كائن يقف وقفة المتفرج ليكون التاريخ المؤثر فيه؟
ادا رجعنا إلى الكتب المدرسية المقررة سنجد إنها تحتوي على نصوص لفلاسفة اختلفت آراؤهم وتضاربت أفكارهم في الحديث عن دور الإنسان في التاريخ. فمن جهة نجد "هيجل" في نص "مكر التاريخ" يؤكد على أن الإنسان ليس سوى وسيلة في يد التاريخ. فمكر هدا الأخير يجعل الإنسان يعتقد انه صانع التاريخ، غير انه لا ينفد سوى إرادة التاريخ وفق مسار الروح المطلق. إن هده التصور الهيجيلي جاء بناءا على قولته الشهيرة "إن كل ما هو عقلي فهو واقعي وما هو واقعي فهو عقلي".

فالواقع التاريخي بجميع أحداثه وأفكاره معقول لأنه ليس شيئا آخر سوى العقل متجسدا وحالا في روح هدا الشعب أو داك من الشعوب التي عرفها التاريخ. فالحقيقة الأولى عند هيجل هي " العقل المطلق" أو "الروح المطلق"، وهي وجود خالص لا محدود ولما كان الوجود الخالص الذي لا يمكن أن تقول عنه شيئا هو " العدم" شئ واحد فان " العقل الكوني" حل في العالم وتموضع فيه ليعي ذاته، وهدا الوعي يتم في التاريخ "ما التاريخ إلا حياة الله "أي بالصورة حيث تكون الشعوب و الرجال العظام أدوات في يد العقل الكوني يحقق بها غايته و خطته في وعيه لذاته .

أما كارل ماركس فقد رفض ما اعتقد هيجل انه تفسير عقلاني للتاريخ فانزل الجدل من سماء الميتافيزيقا إلى ارض الواقع الإنسان الحي والعيني، وأبدل كلية هيجل –الخاصة بروح الكون- بكلية واقعية هي التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية مثل النظام الإقطاعي أو الرأسمالي واحل ماركس الإنسان الاجتماعي محل "روح العالم" فأصبح التاريخ تاريخ الإنسان العامل و المنتج وليس تاريخا صوفيا يستعرض مراحل تطور وعي "العقل الكوني" لذاته . ويهدا يكون ماركس قد جعل دور الإنسان في التاريخ مشروط بواقعية معطاة وظروف خارجة عن إرادته.

كما يؤكد ماركس أن التفسير العقلاني العلمي للتاريخ يجب أن يطلب من الواقع الاقتصادي و الاجتماعي أو ما يسميه ماركس بالبنية التحتية والتي تتألف من:

1- قوى الإنتاج: وهي مجموعة الأدوات أو الوسائل التي ينتج بها الإنسان ما يحتاج إليه مثل "اليد" أي العمال والآلات و الأرض.

2- علاقات الإنتاج: وهي طريقة التنظيم التي يخضع لها مجتمع ما مثل "الملكية الخاصة" لوسائل الإنتاج التي سادت في النظام الرأسمالي ومجموع علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، يعطي ما يسميه ماركس بنمط الإنتاج مثل: نمط الإنتاج الرأسمالي أو الإقطاعي أو العبودية. ويرى ماركس أن التغيير الذي يطرأ على قوى الإنتاج يصطدم بعلاقات الإنتاج التي لا تميل إلى الاستجابة لما وقع من تغير في قوى الإنتاج . إن هدا التناقض يؤدي إلى وقوع صراع اجتماعي هو "الصراع الطبقي " الذي يعد المحرك الأساس للتاريخ.

وفي نفس الاتجاه الذي ذهبا فيه كل من ماركس وهيجل اعتبر لوي التو سير التاريخ – من خلال نص" التاريخ سيرورة بدون ذات فاعلة " – سيرورة لا تحكمها ذات فاعلة ،اد أنها سيرورة اغتراب مستمرة لاتحركها أية قوة أو ذات إنسانية.

لقد ارتبط اسم التو سير بالفكر البنيوي، حيث اعتبر مشروعه قراءة للفكر الماركسي من زاوية بنيوية، وحاول إقامة دعائم بنيوية ماركسية ذات طابع علمي لا اديولوجي ورغم أن التوسير يرفض إلحاق اسمه بجماعة البنيويين ،فان الدارسين يبرزون تأثره الشديد بمفهوم البنية وتطبيقه للمنهج البنيوي من اجل إعادة بناء الماركسية .
إن التوسير يعتبر نفسه باحثا ماركسيا حاول الكشف عما تنطوي عليه الماركسية من نزعة علمية.

هكذا يتضح لنا كيف أن كل من هيجل وماركس والتو سير يعتبرون الإنسان محكوم عليه بسيرورة تاريخية وشروط وظروف خارجة عن إرادته لتكون بدلك وسيلة يستعملها لتحقيق غاياته.

هدا من جهة ،ومن جهة أخرى مغايرة عما سبق نجد أن كل من سارتر،ماكيافيلي و لويس غولدمان يتفقون جميعهم على فكرة واحدة، مفادها أن الإنسان هو صانع للتاريخ وفاعل فيه .

لقد حاول سارتر أن يبرز - من خلال النص – دور الإنسان في بناء الصرح التاريخي لكن دونما إغفال حدود هدا الدور،ودالك من خلال تحديد طبيعة العلاقة الموجودة بين الإنسان وشروط وجوده .
فالإنسان – حسب سارتر – يتعرف على كينونته من خلال صيرورة التاريخ نفسه"إن المبدأ الذي اعتمد عليه سارتر يتأسس على حقل الفلسفة الوجودية , لكن ليس باعتبارها مذهبا بل تمردا على المذاهب , فالوجودية حياة وليس موضوعا للتفكير وقضايا الإنسان لايمكن أن تكون معان مطلقة بل هي مشاكل عينية . فالوجود في أصله هو وجود الذات المفردة والإنسان يوجد أولا تم تتحدد ماهيته فيما بعد(فالوجود سابق عن الماهية ) والإنسان حرفي اختيار ماهيته داخل حدود النوع الإنساني . انه مشروع دائما لايحقق أبدا ذاته فهو دائم الخروج من ذاته ليسجلها على المادة ويطبعها بطابعه الخاص " [1]

اما ماكيافيلي فقد حاول – في النص الثالث من كتاب منار الفلسفة – أن يقدم ويجعل في يد الإنسان الإرادة الصلبة والقوة الكافية، لتجاوز الأحداث والوقائع المختلفة عبر التاريخ. فادا كان القدر يتحكم بنصف حياة الإنسان – حسب ماكيافيلي – فان النصف الآخر يبقى بيده يعده كما يشاء لصد كل قدر جامح ومدمر. "لقد كانت ايطاليا في عصر ماكيافيلي تعاني من وطأة الفاتيكان، التي كانت المستفيدة الأولى من واقع تجزئة ايطاليا إلى دويلات متصارعة ومتناحرة "[2] .

وعليه، فان ماكيافيلي يوضح لنا من خلال هدا النص، كيف يجب على الإنسان أن يصنع أحداته وتاريخه، ليشكلا الصخرة التي تتكسر عليها كل غزو أو تهديد خارجي.

وبنفس النهج رفض لوسيان غولدمان - من خلال نص "من يخلق البنيات" – كل التصورات السابقة التي تقلص من دور الانسان وتقزمه، بل وتجعل منه وسيلة يعبث بها القدر والتاريخ، فادا كان ألتو سير وماركس يجعلان البنيات و الأنساق المتعالية المحرك الأساس للتاريخ، فان غولدمان ينفي دلك معتبرا الممارسات الإنسانية والبشرية وأفعالهم وعلاقاتهم، الدافع الأكيد لسيرورة الأحداث التاريخية.

إن الذوات هي التي تنشئ علاقات الإنتاج الموجودة، كما تنشئ أنماط إنتاج جديدة. فليس اللغة والبنيات هي التي تخلق الناس، بل الناس هم الدين يخلقون هده اللغة وهده البنيات، دلك لأن البنيات ليست دواتا ولم تنتج أبدا شيئا، وعليه فان هده البنيات - حسب غولدمان - ما هي إلا تجليات لسلوك ولفكرة ولحياة الذات.
هكذا يتضح لنا مما سبق كيف ان كل من سارتر،ماكيافيلي وغولدمان حاولوا إعادة الاعتبار للذات الإنسانية، في إطار صناعتها للتاريخ. فللذات دور مركزي وأساسي في بناء سيرورة الأحداث الإنسانية ، وليس البنيات سوى مظاهر لسلوكيات هده الذوات.

وبالتالي نخلص من خلال قراءتنا لآراء هؤلاء الفلاسفة، أن على الرغم من استبعاد الإنسان من الفاعلية في التاريخ فان هناك من الفلاسفة من حاول موضعته لجعله" الدينامو" المحرك للتاريخ ولسيرورة الأحداث الإنسانية، بل إن البنيات التي ادعى أصحابها أنها هي أساس التاريخ أضحت مظهرا من مظاهر سلوك وفكر وحياة الذات .

‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق